انتقل إلى المحتوى

السياق التاريخي

الإطار

نشأ التقليد الرياضي الذي يتناوله هذا المرجع في العالم الإسلامي بمعناه الجغرافي الواسع: من الأندلس والمغرب غرباً، مروراً بمصر والشام والعراق، وصولاً إلى فارس وآسيا الوسطى وشمال الهند شرقاً. وكان العلماء العاملون في هذا التقليد مسلمين في غالبيتهم، غير أن الجماعة العلمية ضمّت أيضاً مسيحيين ويهوداً وصابئة (فثابت بن قرة، أحد أعظم علماء الهندسة في القرن التاسع، كان صابئياً من حرّان؛ وحنين بن إسحاق، شيخ المترجمين، كان مسيحياً نسطورياً). وكانت الأداة الجامعة هي اللغة العربية، التي أدّت الدور الذي أدّته اللاتينية لاحقاً في أوروبا وتؤدّيه الإنجليزية في العلوم اليوم. ولذا يسمّي المؤرخون هذا التقليد تارةً "الرياضيات العربية" (نسبةً إلى اللغة) وتارةً "الرياضيات الإسلامية" (نسبةً إلى الحضارة)؛ والتسميتان تدلّان على المتن نفسه.

حركة الترجمة إلى العربية (ح. 750–950)

رعت الخلافة العباسية، التي قامت عام 750 واتخذت بغداد عاصمةً لها منذ 762، حملةً مقصودة سخيّة التمويل لترجمة التراث العلمي للحضارات السابقة إلى العربية. وكانت ثلاثة روافد هي الأهم بالنسبة إلى الرياضيات:

الرافد اليوناني. تُرجمت أصول إقليدس، والمجسطي لبطليموس، ومؤلفات أرخميدس، والمخروطات لأبولونيوس، والأرثماطيقي (صناعة الجبر) لديوفانطس، والأُكَر لمنلاوس، وكثيراً ما تُرجم الكتاب الواحد أكثر من مرة بدقة متزايدة. وقد جعل مترجمون مثل الحجاج بن يوسف بن مطر، وحنين بن إسحاق، وابنه إسحاق بن حنين، وثابت بن قرة (الذي نقّح ترجمات كثيرة) من بغداد حارسةً للرياضيات اليونانية في وقتٍ كان معظمها بعيد المنال في أوروبا الغربية.

الرافد الهندي. وصلت المؤلفات الفلكية السنسكريتية (تقليد السدهانتا، الذي عُرّب باسم السند هند) إلى البلاط العباسي في سبعينيات القرن الثامن، حاملةً معها نظام الترقيم العشري الموضعي، والصفر، وعلم المثلثات الهندي القائم على الجيب بدلاً من الوتر اليوناني.

الرافد الفارسي. أسهمت الجداول الفلكية الساسانية (الزيج) وممارسات الحساب الإداري في الجانب التطبيقي من هذا التقليد.

بيت الحكمة

أدّى بيت الحكمة في بغداد، المرتبط خصوصاً بالخليفة المأمون (حكم 813–833)، دورَ المكتبة ومركز الترجمة والمؤسسة البحثية. وطبيعته المؤسسية الدقيقة موضع خلاف بين المؤرخين، وكثيراً ما تبالغ الروايات الشعبية في تشبيهه بالجامعة الحديثة. أما ما لا خلاف فيه فهو قائمة الرياضيين المرتبطين برعاية المأمون: فالخوارزمي، والإخوة الثلاثة بنو موسى، والكندي، عملوا جميعاً في هذا الوسط البغدادي؛ كما أن برنامج الرصد الفلكي الذي رعاه المأمون (ومنه قياس محيط الأرض) أرسى نموذج العلم الدقيق المدعوم من الدولة، الذي حاكته البلاطات اللاحقة.

لماذا ازدهرت الرياضيات

دعمت عدة قوى العملَ الرياضي على مدى تسعة قرون:

الممارسة الدينية ولّدت مسائل حسابية. فتحديد أوقات الصلاة يتطلب علم الفلك الكروي؛ وإيجاد القبلة (اتجاه مكة) من أي مدينة مسألةٌ صعبة حقاً في علم المثلثات الكروي؛ والتقويم القمري يستلزم حسابات رؤية الهلال؛ وعلم المواريث الإسلامي (علم الفرائض) يقتضي حساباً دقيقاً للكسور، تناوله الخوارزمي بإسهاب في كتابه في الجبر. ونشأت مهنة متخصصة هي الموقِّت (ضابط الوقت الملحق بالمسجد)؛ وقد شغل هذا المنصبَ الخليليُّ في دمشق القرن الرابع عشر، وهو الذي حسب جداول مساعدة عامة لعلم الفلك الكروي.

التجارة والإدارة تطلّبتا الحساب. قامت شبكات التجارة الواسعة في العالم الإسلامي على الحساب، وكانت رسائل الحساب (الحساب العملي) من أكثر الكتب رواجاً في عصر المخطوطات.

تنافست البلاطات على الهيبة. من بغداد إلى القاهرة (المرصد الفاطمي)، والريّ، وأصفهان (حيث أصلح عمر الخيام التقويم)، ومراغة (المرصد الكبير الذي أُسّس عام 1259)، وسمرقند (مرصد أولوغ بيك ومدرسته، ح. عشرينيات القرن الخامس عشر)، موّل الحكّام المراصد وأجروا الرواتب على العلماء على نحوٍ يشبه المختبرات الوطنية الحديثة أكثر من أي شيء عرفته أوروبا المعاصرة لهم.

الفلك والتنجيم سدّدا الفواتير. وكما في أوروبا كبلر بعد قرون، موّل الطلبُ على الجداول الفلكية والخدمات التنجيمية جانباً كبيراً من الرياضيات البحتة.

التحقيب المعتمد في هذا المرجع

الحقبة المدى الزمني المراكز الإنجازات المميِّزة
الأولى: الأسس 750–900 بغداد حركة الترجمة؛ جبر الخوارزمي؛ هندسة ثابت ونظريته في الأعداد
الثانية: القرن العاشر 900–1000 بغداد، الريّ، القاهرة، قرطبة الكسور العشرية (الإقليدسي)؛ اكتمال الدوال المثلثية (أبو الوفاء)؛ الإنشاءات الهندسية
الثالثة: العصر الذهبي ح. 1000–1100 غزنة، القاهرة، أصفهان، الأندلس بصريات ابن الهيثم؛ مساحة الأرض عند البيروني؛ جبر كثيرات الحدود عند الكرجي؛ تكعيبيات الخيام
الرابعة: القرن الثاني عشر 1100–1200 فارس، الأندلس، المغرب الطرائق الرمزية عند السموأل؛ تحليل شرف الدين الطوسي للمعادلات التكعيبية
الخامسة: مراغة 1200–1300 مراغة، المغرب علم المثلثات عند الطوسي علماً مستقلاً؛ النظرية الكوكبية (مزدوجة الطوسي)
السادسة: القرن الرابع عشر 1300–1400 دمشق، فارس، المغرب نماذج ابن الشاطر الكوكبية؛ نظرية الأعداد والبصريات عند الفارسي؛ جداول الخليلي
السابعة: سمرقند 1400–1500 سمرقند، المغرب، القاهرة رياضيات الكاشي الحسابية؛ فهرس نجوم أولوغ بيك؛ الترميز الجبري عند القلصادي
الثامنة: العلماء المتأخرون من 1500 فصاعداً إسطنبول، فارس، المغرب مرصد تقي الدين؛ استمرار تقليد الكتب التعليمية

ما سبق وما لحق

لم ينشأ هذا التقليد من العدم ولم يتلاشَ في العدم. فقد استوعب عن وعيٍ الرياضياتِ اليونانية والهندية والفارسية، ثم استوعبه بدوره — عبر حركة الترجمة اللاتينية في القرن الثاني عشر والرياضيات التجارية في مدارس الحساب (الأباكو) الإيطالية — التقليدُ الأوروبي الذي يقود إلى جبريّي عصر النهضة، ثم إلى فييت وديكارت، وصولاً إلى التخصص الحديث. وتتتبع فصول الانتقال إلى أوروبا هذه القصة بالتفصيل.


المصادر الثانوية الرئيسية لهذا الفصل: J. L. Berggren، Episodes in the Mathematics of Medieval Islam؛ Victor J. Katz، A History of Mathematics؛ George Saliba، Islamic Science and the Making of the European Renaissance؛ Dimitri Gutas، Greek Thought, Arabic Culture. التفاصيل الكاملة في قائمة المراجع.